لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة مساعدة للمترجمين، بل تحول إلى منافس حقيقي يفرض نفسه على المهنة، مع قدرته المتزايدة على إنتاج نصوص تبدو طبيعية ودقيقة خلال ثوان.
وفي أوروبا، حيث تتعايش أكثر من 200 لغة، تعد الترجمة من أبرز المجالات الثقافية التي تأثرت بصعود نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي، وسط مخاوف متزايدة من تراجع الطلب على المترجمين وانخفاض أجورهم، حتى مع استمرار الحاجة إلى الخبرة البشرية.
تجربة تكشف تطور الترجمة الآلية
في عام 2022، قرر المترجم الأدبي الفرنسي يوان جنتريك اختبار قدرة الذكاء الاصطناعي على منافسته أثناء ترجمة رواية “Wayward” للكاتبة الأمريكية دانا سبوتا إلى الفرنسية.
وتوقف جنتريك عند جملة قصيرة تصف شعور بطلة الرواية عند فتح نافذة، واختبر ترجمتها باستخدام منصة DeepL، إحدى أشهر أدوات الترجمة الآلية.
في ذلك الوقت، جاءت النتيجة أقرب إلى الترجمة الحرفية، ولم تنجح الأداة في التقاط إيقاع الجملة والتكرار المقصود فيها، بينما تمكن جنتريك من صياغة ترجمة أكثر سلاسة تحافظ على نبرة النص.
لكن عند تكرار التجربة في عام 2026، وجد أن أداء الآلة تطور بشكل ملحوظ، إذ أصبحت قادرة على اختيار مفردات أكثر تنوعا، والحفاظ جزئيا على الموسيقى الداخلية للجملة، رغم أنها لم تصل إلى مستوى الترجمة البشرية الكاملة.
79% يرون الذكاء الاصطناعي تهديدا للمهنة
المخاوف من تأثير الذكاء الاصطناعي لم تعد مجرد توقعات مستقبلية، إذ أظهر مسح أجرته جمعيتا المؤلفين الفرنسيتين ADAGP وSociété des Gens de Lettres أن 79% من المترجمين المشاركين يرون أن الذكاء الاصطناعي يمثل تهديدا بإحلال الآلة محل جزء من أعمالهم أو كلها.
وفي بريطانيا، كشف مسح أجري عام 2025 أن 84% من المترجمين يتوقعون تراجع الطلب على الترجمة البشرية، وما قد يرافق ذلك من انخفاض في الأجور.
وتظهر مؤشرات هذا التحول بالفعل في سوق العمل، إذ ذكرت المترجمة الألمانية-الإنجليزية لورا رادوش، التي تعمل في برلين، أنها كانت تتلقى نحو أربعة عروض عمل شهريا من جامعات وأساتذة ومتاحف، قبل أن يتراجع العدد خلال العام الماضي إلى عرض واحد تقريبا كل شهر.
من الترجمة إلى “التحرير اللاحق”
لم يعد جزء من الأعمال الجديدة يتطلب ترجمة النص بالكامل من البداية، بل يقتصر على “التحرير اللاحق” لنصوص أنتجتها أدوات الذكاء الاصطناعي.
ورغم أن هذا العمل يبدو للوهلة الأولى أقل جهدا، تؤكد رادوش أن مراجعة النصوص المترجمة آليا قد تستغرق منها الوقت نفسه الذي تحتاجه للترجمة من الصفر، مع فارق أساسي يتمثل في انخفاض الأجر.
وهنا تبرز واحدة من أبرز مخاوف المترجمين: قد لا تختفي الوظائف، لكنها قد تتحول إلى أعمال أقل قيمة من الناحية الاقتصادية.
سرعة الآلة لا تعني فهم السياق
يقول ماركو ترومبيتي، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة Translated المتخصصة في الترجمة الآلية، إن المترجم البشري يستطيع إنتاج نحو 3 آلاف كلمة يوميا في المتوسط دون مساعدة، بينما ينتج المبتدئ نحو 1500 كلمة، وقد يصل أفضل المترجمين إلى 6 آلاف كلمة.
أما الآلة فتتجاوز هذه الحدود الزمنية بفارق كبير، لكن سرعتها لا تعني بالضرورة قدرتها على فهم السياق.
ولا تزال الترجمة الآلية تواجه صعوبة في تحديد المعنى المقصود للكلمة وفقا لموقعها داخل النص، وهو ما ظهر في واقعة مرتبطة بدار النشر الأكاديمية Springer Nature.
فعند ترجمة كتاب “Capital in the East: Reflections on Marx” إلى الألمانية، ترجمت أداة DeepL كلمة “Capital” في عناوين الفصول إلى “Hauptstadt”، أي “عاصمة مدينة”، بدلا من “Kapital” التي تعني “رأس المال” في سياق الكتاب.
تكنولوجيابيل جيتس يحذر من هجمات الذكاء الاصطناعي ضد الكهرباء والبنوك
ورغم تأكيد الناشر أن الترجمات المدعومة بالذكاء الاصطناعي تخضع لمراجعة بشرية، فإن الواقعة تكشف الفارق بين معرفة معنى الكلمة وفهم سبب اختيار الكاتب لها في سياق محدد.

لماذا تصمد الترجمة الأدبية؟
المفارقة أن الترجمة الأدبية، التي تبدو للوهلة الأولى أكثر المجالات عرضة لتأثير الذكاء الاصطناعي، أظهرت قدرة على الصمود في بعض الأسواق الأوروبية، مقارنة بالترجمة التقنية.
وفي ألمانيا، ورغم التراجع التدريجي في إجمالي عدد الكتب الجديدة المنشورة، حافظت الكتب المترجمة على حضور قوي، إذ نشر 8765 كتابا مترجما خلال عام 2024، شكلت نحو 15% من إجمالي الإنتاج.
ويرتبط ذلك بطبيعة النص الأدبي، فالترجمة الأدبية لا تقتصر على نقل المعلومات بين لغتين، بل تتطلب فهم الشخصيات ونبرتها ودوافعها وإيقاع الحوار، إلى جانب الخلفيات الاجتماعية والثقافية التي يتحرك فيها النص.
وهذه الجوانب تجعل الترجمة الأدبية أكثر تعقيدا من مجرد استبدال الكلمات بمقابلاتها في لغة أخرى.
هل يتحول المترجم إلى محرر؟
قد لا يكون السيناريو المقبل هو اختفاء المترجم بالكامل، وإنما تغير طبيعة عمله.
فبدلا من البدء في ترجمة النص من الصفحة الأولى، قد تنتج الآلة مسودة أولية، ثم يتولى المترجم البشري إعادة بناء النص، وتصحيح الأخطاء، وضبط الأسلوب، ومراجعة السياق والنبرة.
لكن هذا التحول يحمل تحديا اقتصاديا، إذ إن اقتصار دور المترجم على مراجعة النصوص التي تنتجها الآلة قد يؤدي إلى تراجع قيمة العمل وأجره، حتى مع استمرار الحاجة إلى التدخل البشري.
المترجم البشري أمام اختبار جديد
لا يرتبط التحدي الحقيقي الذي يفرضه الذكاء الاصطناعي على الترجمة بقدرته على استبدال كلمة بأخرى فقط، وإنما بقدرته على فهم ما يقوله النص وما يريد التعبير عنه.
ومن المرجح أن تختفي بعض الوظائف الروتينية، وأن يصبح الذكاء الاصطناعي جزءا أساسيا من أدوات المهنة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة اختفاء المترجم البشري.
وفي النصوص الأدبية والإبداعية، تظل الخبرة والحدس والتذوق والقدرة على قراءة ما بين السطور عناصر يصعب اختزالها في خوارزمية.
وربما تختصر المترجمة الألمانية ماريكه هايمبورجر مستقبل المهنة بقولها إنها لا تخشى الذكاء الاصطناعي بقدر ما تخشى الأشخاص الذين يعتقدون أن الآلة قادرة على القيام بعملها.
وبذلك، قد لا تكون المعركة بين الإنسان والآلة على بقاء الترجمة، بل على شكل المترجم الذي سيبقى في سوق العمل مستقبلا.








