لم تختف اللغة القبطية من مصر عقب دخول المسلمين إليها، بل استمر استخدامها قرونا في الحياة اليومية والكنائس، بينما بدأت العربية تتوسع تدريجيا من الإدارة إلى المجتمع والثقافة.
تعريب الدواوين.. بداية التحول
برزت إحدى أهم مراحل التحول اللغوي في العصر الأموي، خلال عهد الخليفة عبد الملك بن مروان، عندما اتجهت الدولة إلى تعريب دواوينها في مختلف أقاليمها.
ومع اعتماد العربية في الإدارة، أصبحت اللغة الجديدة مرتبطة بالوظائف الحكومية والمعاملات الرسمية، ما زاد الحاجة إلى تعلمها لدى الراغبين في العمل بأجهزة الدولة.
ولم يكن تعريب الدواوين يعني اختفاء القبطية، لكنه منح العربية أهمية عملية متزايدة، إلى جانب استخدامها في التجارة والتعاملات المرتبطة بالسلطة.
القبطية تصمد في الحياة اليومية
رغم تعريب الإدارة، ظلت القبطية مستخدمة على نطاق واسع بين المصريين، خصوصا في البيوت والأسواق، كما حافظت على حضورها داخل الكنائس والحياة الدينية للمسيحيين في مصر.
وتشير بعض الروايات إلى أن الخليفة العباسي المأمون احتاج إلى مترجم خلال زيارته مصر في القرن التاسع الميلادي، في إشارة إلى استمرار استخدام القبطية بين قطاعات من السكان.
ويعكس ذلك أن التحول من القبطية إلى العربية لم يكن سريعا، بل استغرق أجيالا طويلة.
مصر عاشت مرحلة من الازدواج اللغوي
مع مرور الوقت، أصبحت اللغتان حاضرتين في المجتمع المصري، إذ ظلت القبطية مرتبطة بالبيوت والمجتمع المحلي، بينما توسعت العربية في الإدارة والتجارة والمعاملات الرسمية.
ومع اتساع نطاق استخدام العربية، نشأت أجيال قادرة على التعامل باللغتين، قبل أن تبدأ العربية تدريجيا في ترجيح كفتها كلغة للتواصل العام.
تشجيع تعلم العربية
شهد القرن التاسع الميلادي مزيدا من التوسع في استخدام العربية، وتشير الرواية إلى صدور توجيهات في عهد الخليفة العباسي المتوكل عام 849م شجعت على تعلمها.
ورغم ذلك، استمرت القبطية في المجتمع المصري، خصوصا داخل البيوت والكنائس، باعتبارها جزءا من الذاكرة والعادات والحياة الدينية.
ثقافة وفنفتح باب الاشتراك في الدورة الـ58 من معرض القاهرة الدولي للكتاب

العربية تنتقل من الديوان إلى الشارع
بدأ التحول الأكثر وضوحا عندما تجاوز استخدام العربية المؤسسات الحكومية إلى الحياة العامة.
وتشير الرواية إلى أنه خلال القرن الحادي عشر الميلادي، وفي عهد الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله، فرضت قيود على استخدام القبطية في بعض الأماكن العامة، ما ساهم في تعزيز حضور العربية خارج نطاق الإدارة.
ومع ذلك، لم تختف القبطية على الفور، إذ ظلت مستخدمة داخل الكنائس وبعض التجمعات السكانية.
الكتاب المقدس بالعربية يعزز التحول
في القرن الثاني عشر الميلادي، اتسع استخدام العربية داخل الأوساط المسيحية المصرية، مع انتشار ترجمات الكتاب المقدس وازدياد المؤلفات والشروحات والصلوات باللغة العربية.
وبذلك تحولت العربية من لغة مرتبطة بالإدارة والحكم إلى لغة للثقافة والكتابة والتأليف والحياة الدينية، وأصبحت مستخدمة بين المسلمين والمسيحيين على حد سواء.
رحلة طويلة من القبطية إلى العربية
لم يكن انتقال المصريين من القبطية إلى العربية نتيجة قرار واحد، بل عملية تاريخية امتدت قرونا.
بدأت العربية لغة للإدارة والسلطة، ثم ارتبطت بالعمل والتجارة والمعاملات، قبل أن تنتشر في الحياة العامة والثقافة والكتابة الدينية، بينما ظلت القبطية تقاوم الاندثار وتحافظ على حضورها في المجتمع والكنيسة حتى انحسر استخدامها اليومي تدريجيا.







