يشهد القطاع الصناعي في سلطنة عمان تحولا نوعيا من التوسع في عدد المنشآت وحجم الإنتاج إلى بناء منظومة صناعية متكاملة تعتمد على التقنيات الحديثة، وتعزز سلاسل التوريد المحلية والقيمة المضافة، وتؤهل الكفاءات الوطنية، في إطار مستهدفات الاستراتيجية الصناعية 2040.
3.7 مليار ريال مساهمة الصناعات التحويلية
أظهرت بيانات المركز الوطني للإحصاء والمعلومات أن مساهمة الصناعات التحويلية في الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الثابتة بلغت نحو 3.7 مليار ريال عماني بنهاية عام 2025، فيما سجلت 869 مليون ريال خلال الربع الأول من عام 2026.
وتستهدف الاستراتيجية الصناعية 2040 رفع مساهمة الصناعات التحويلية إلى 5 مليارات و440 مليون ريال بحلول عام 2030، ثم إلى 10 مليارات و702 مليون ريال في عام 2040.
نمو الصادرات غير النفطية
ارتفعت الصادرات السلعية غير النفطية بنسبة 1.5 بالمائة حتى نهاية مايو 2026، لتصل إلى مليارين و739 مليون ريال عماني، مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025.
وتستهدف الاستراتيجية رفع قيمة الصادرات غير النفطية إلى أكثر من 10 مليارات ريال بحلول عام 2030، مع التركيز على منتجات المعادن والكيماويات والصناعات المرتبطة بالطاقة والصناعات الغذائية.
كما ارتفعت إعادة التصدير بنسبة 64.4 بالمائة، لتتجاوز قيمتها مليار ريال عماني حتى نهاية مايو 2026.

الجابري: نركز على بناء منظومة صناعية متكاملة
وقال معالي أنور بن هلال الجابري، وزير التجارة والصناعة وترويج الاستثمار، إن هذه المؤشرات تعكس نجاح السياسات والمبادرات الوطنية في تعزيز قدرة القطاع الصناعي على الانتقال من التوسع في حجم المنشآت والإنتاج إلى بناء منظومة صناعية أكثر تكاملا.
وأوضح أن ارتفاع رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر المتراكم في القطاع الصناعي يعكس جاذبية سلطنة عمان كوجهة للاستثمار الصناعي، مستفيدة من موقعها الاستراتيجي وبنيتها الأساسية والمناطق الاقتصادية والصناعية المتكاملة والحوافز الاستثمارية، إلى جانب سهولة الوصول إلى الأسواق الإقليمية والدولية.
وأكد الجابري أن الوزارة تعمل خلال المرحلة المقبلة على تعزيز الشراكة مع القطاع الخاص والمستثمرين لتسريع توطين الصناعات ذات الأولوية، وزيادة المحتوى المحلي، ودعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة المرتبطة بالقطاع الصناعي.
وأشار إلى أن هذه الجهود تستهدف إيجاد فرص عمل نوعية للمواطنين، وتعزيز تنافسية المنتج العماني ورفع القيمة المضافة للاقتصاد الوطني.
وأكد أن طموح الوزارة لا يقتصر على زيادة حجم القطاع الصناعي، بل يتجه إلى بناء قطاع مستدام وذكي وتنافسي قادر على الابتكار والتصدير والتكامل مع القطاعات الاقتصادية الأخرى، بما يعزز مكانة سلطنة عمان كمركز صناعي ولوجستي واستثماري في المنطقة.

240 ألف عامل في القطاع الصناعي
من جانبه، قال سعادة المهندس غالب بن سعيد المعمري، وكيل وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار للتجارة والصناعة، إن نمو النشاط الصناعي شمل توسع القاعدة الإنتاجية وزيادة قيمة الإنتاج واستقطاب القوى العاملة، بالتوازي مع تعميق التصنيع المحلي وزيادة القيمة المضافة.
وأوضح أن عدد العاملين في القطاع الصناعي بلغ بنهاية عام 2025 نحو 240 ألفا و226 عاملا، فيما تستهدف الاستراتيجية الصناعية 2040 رفع العدد إلى نحو 273 ألف عامل بحلول عام 2030، خصوصا في صناعات المنتجات المعدنية اللافلزية والصناعات الغذائية وصناعة الآلات والمعدات.
وبيّن المعمري أن الاستراتيجية تستهدف أن يمثل استثمار القطاع الخاص المحلي نحو 54 بالمائة، مقابل 34 بالمائة للاستثمار الأجنبي.
الصناعة تمتد إلى قطاعات وخدمات مساندة
وأشار المعمري إلى أن أثر المشروعات الصناعية لا يقتصر على خطوط الإنتاج، بل يمتد إلى العديد من الأنشطة المرتبطة بها، ومنها التعبئة والتغليف والنقل والتخزين والمختبرات والصيانة وقطع الغيار وخدمات السلامة والبرمجيات والأتمتة.
كما تشمل هذه الأنشطة الخدمات الهندسية والتبريد وتصنيع الهياكل والكابلات والمكونات الكهربائية وخدمات التشغيل والصيانة، بما يعزز تكامل سلاسل القيمة المحلية.
وأوضح أن الاستراتيجية الصناعية اختارت 30 نشاطا صناعيا واعدا من بين 119 نشاطا، موزعة على مجمعات تشمل الصناعات الغذائية والبتروكيماوية والصحية والمعادن والفلزات والصناعات الكهروميكانيكية والبيئية والطاقة المتجددة.
وتهدف هذه الأنشطة إلى ربط المنتجين والموردين ومقدمي الخدمات ضمن منظومات صناعية مترابطة.
وأضاف أن عدد المنتجات العمانية المسجلة في منصة “صنع في عمان” بلغ نحو 7 آلاف و307 منتجات خلال الفترة من عام 2024 حتى يونيو 2026.

القصابي: التقنيات الحديثة ترفع كفاءة المصانع
من جهته، قال المهندس خالد بن سليم القصابي، مدير عام الصناعة بوزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار، إن التقنيات الحديثة تسهم في رفع كفاءة العمليات الصناعية من خلال الأتمتة وربط خطوط الإنتاج وتحليل البيانات والذكاء الاصطناعي والصيانة التنبؤية وإدارة المخزون وسلاسل الإمداد.
وأوضح أن برنامج “مصانع الإنتاج الذكي” بدأ في عام 2024 بتقييم 20 مصنعا عمانيا وفق مؤشر جاهزية الصناعة الذكية “سيري”، قبل توسيع نطاقه ليستهدف 60 مصنعا.
وأشار إلى اكتمال تقييم 45 مصنعا حتى نهاية يونيو 2026، بما يمثل 75 بالمائة من العدد المستهدف.
سلطنة عماننفط عُمان يقفز 9.33 دولار ويتجاوز 107 دولارات للبرميل
تأهيل المصانع للتحول الرقمي
وبيّن القصابي أن مؤشر جاهزية الصناعة الذكية يقيس مستويات الأتمتة والترابط والذكاء، وجاهزية القوى العاملة والحوكمة، وإدارة سلاسل الإمداد ودورة حياة المنتج.
ويستهدف البرنامج كذلك تكوين فريق من المقيمين العمانيين وإنشاء شركات عمانية متخصصة في تقييم جاهزية المصانع، بما يعزز الخبرات الوطنية في مجال التحول الصناعي.
برنامج “كفاءة” لخفض الهدر
وفيما يتعلق ببرنامج “كفاءة” للتصنيع الرشيق، أوضح القصابي أن المرحلة الأولى تستهدف 9 مصانع وتدريب 13 ممارسا عمانيا، إلى جانب تنفيذ مشروعات لتحسين العمليات داخل المصانع لمدة تتراوح بين 3 و6 أشهر.
وتقدر الوفورات المالية المتوقعة للمصانع المشاركة بنحو 360 ألف ريال عماني سنويا، من خلال تحسين الطاقة الإنتاجية وخفض الهدر والتكاليف التشغيلية.
وتشمل ممارسات التصنيع المستدام خفض استهلاك الكهرباء والمواد الخام، وتقليل المنتجات التالفة والخردة والانبعاثات، إلى جانب إعادة هندسة العمليات.

وظائف جديدة مع توسع التكنولوجيا
ولفت القصابي إلى أن التوسع في تقنيات الإنتاج يرتبط بزيادة الطلب على الكفاءات في مجالات التشغيل والصيانة والجودة والسلامة وسلاسل الإمداد، إضافة إلى الأتمتة وتحليل البيانات والصيانة المتقدمة والأمن السيبراني الصناعي وإدارة الطاقة.
وأكد أن مبادرة مصانع الإنتاج الذكي تضمنت تأهيل مقيمين عمانيين لقياس النضج الرقمي للمصانع، فيما يركز برنامج “كفاءة” على إعداد ممارسين داخل المنشآت ونقل المعرفة إلى العاملين.
وأشار إلى أن ذلك يتزامن مع تطبيق منظومة الاعتماد المهني بشقيها الترخيص والتصنيف المهني، للتحقق من مؤهلات وخبرات وكفاءات العاملين وتحديد مستوياتهم المهنية.
الاعتماد المهني يدعم احتياجات سوق العمل
وأوضح القصابي أن منظومة الاعتماد المهني تسهم في توفير بيانات عن احتياجات سوق العمل والعرض والطلب على المهارات، بما يدعم تخطيط احتياجات القوى العاملة وتوجيه برامج التعليم والتدريب والتشغيل والتعمين.
كما تساعد المنظومة على رفع مهارات العاملين وتأهيل الكفاءات العمانية لشغل الوظائف الفنية والتخصصية والإشرافية والقيادية.

حوافز لدعم الاستثمار الصناعي
وأضاف أن الحوافز المقدمة للمنشآت والمشروعات الصناعية، وفقا لأحكام قانون تنظيم وتشجيع الصناعة وقانون ضريبة الدخل واللوائح التنفيذية، تشمل إعفاء الآلات والمعدات وقطع الغيار والمواد الخام والأولية ومواد التعبئة والتغليف المستوردة من الرسوم الجمركية.
كما تشمل الإعفاء من ضريبة الدخل لمدة محددة وفقا للضوابط والشروط المنظمة، مع تنفيذ الإجراءات بالتنسيق بين وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار وجهاز الضرائب والإدارة العامة للجمارك.
وتسهم هذه الحوافز في خفض التكاليف التشغيلية والرأسمالية المرتبطة بالمشروعات الصناعية وتعزيز جاذبية الاستثمار في القطاع.
قياس أثر الصناعة على الاقتصاد الوطني
وحول مؤشرات قياس الأثر، ذكر المهندس خالد القصابي أن مسودة مؤشرات قياس الأثر طويل المدى للقطاع الصناعي تتضمن نسبة القيمة المضافة المحلية إلى إجمالي الإنتاج، ونسبة وقيمة المشتريات من الموردين المحليين، وعدد الموردين العمانيين، ومعدل إحلال الواردات في المواد الوسيطة وقطع الغيار والمكونات.
كما تشمل المؤشرات نمو الصادرات الصناعية ومستوى القيمة المضافة فيها، بما يعكس التحول من قياس حجم القطاع إلى قياس مدى ارتباطه بالاقتصاد الوطني.
وأكد أن المرحلة المقبلة تتطلب توسيع نطاق قياس أداء الصناعة ليشمل القيمة المضافة والمشتريات المحلية والوظائف والكفاءات المرتبطة بالعملية الإنتاجية، إلى جانب مؤشرات الإنتاج والاستثمارات والصادرات.

تعميق سلاسل التوريد المحلية
واختتم القصابي بالتأكيد على أن تعميق ارتباط المنشآت الصناعية بسلاسل التوريد المحلية يشمل زيادة الطلب على المواد والخدمات والكفاءات العمانية، وربط الاستثمارات الصناعية بالموردين والأنشطة المساندة.
وتشمل هذه الأنشطة النقل والصيانة والتقنية والتعبئة والتخزين والخدمات المهنية، فيما يرتكز قياس الأثر على مقدار القيمة التي يبقيها النشاط الصناعي داخل الاقتصاد الوطني، إلى جانب الإنتاج والاستثمار والصادرات والتوظيف.








