يشهد سوق العمل تحولات متسارعة بفعل الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، ما يدفع الشباب العماني إلى تجاوز النموذج التقليدي والبحث عن مسارات مهنية أكثر مرونة وابتكارا.
التحول الرقمي يعيد تعريف مفهوم الوظيفة
لم تعد الوظيفة بالضرورة مسارا ثابتا يبدأ بالتعيين وينتهي بالتقاعد، إذ أسهمت التكنولوجيا والابتكار والتحول الرقمي في ظهور أنماط مهنية جديدة تتيح للشباب صناعة فرصهم بأنفسهم، وتنويع مصادر دخلهم، وتطوير مشروعات تعتمد على المهارات والمعرفة.
ويرى طلال بن خميس البحري، فني أول بمركز تقنيات التعليم في جامعة السلطان قابوس، أن مفهوم الوظيفة التقليدية ترسخ طويلا باعتباره وسيلة لتحقيق الاستقرار وخدمة الوطن، إلا أن التحولات العالمية والثورة الرقمية أعادت تشكيل هذا المفهوم.
وأوضح أن الشاب العماني لم يعد مجرد باحث عن وظيفة تقليدية، بل أصبح قادرا على إدارة مشروعاته الخاصة بالاعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعي، والاستفادة من الموارد البشرية المحدودة لإنجاز أعماله بكفاءة.

المهارات أصبحت أساس الاستقرار الوظيفي
وأشار البحري إلى أن المسار التقليدي يقوم غالبا على التدرج في تخصص واحد، بينما يعتمد المسار الحديث على المهارات الأفقية والقدرة على الانتقال بين المجالات والتخصصات، ما يوسع خبرات الفرد ويزيد قدرته على التكيف.
وأضاف أن مفهوم الأمان الوظيفي تغير أيضا، فلم يعد مرتبطا بالمنصب نفسه، وإنما بامتلاك مهارات متجددة تواكب التطورات التقنية، خاصة في مجالات الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي.
كما تغيرت بيئة العمل من الهياكل الهرمية التي تحصر صناعة القرار في الإدارة العليا، إلى نماذج أكثر مرونة تمنح الموظف مساحة للمشاركة والابتكار، إلى جانب تعزيز ثقافة التعلم من الأخطاء بدلا من اعتبارها سببا للعقاب.
الاقتصاد الرقمي يفتح أبوابا لمهن جديدة
أوضح البحري أن التحول الرقمي والثورة في الذكاء الاصطناعي والأتمتة أسهما في ظهور فرص مهنية جديدة، وأتاحا للشباب إدارة مشروعاتهم وتقديم خدماتهم من خلال أدوات رقمية متطورة.
وأشار إلى أن الاقتصاد العالمي يتجه بصورة متزايدة نحو الاعتماد على المعرفة والقدرات البشرية، مع تزايد أهمية المهارات الذهنية والتقنية في صناعة القيمة الاقتصادية.
وأكد أن الذكاء الاصطناعي أصبح يتداخل مع مختلف العلوم والمجالات، خصوصا تحليل البيانات الضخمة، ما يفتح أمام الشباب فرصا لتقديم خدمات متخصصة تجمع بين المعرفة القطاعية والتقنيات الحديثة.
وظائف المستقبل تولد من تقاطع التخصصات
من جانبها، ترى رحمة بنت سعيد الرشيدي، مصممة جرافيك ومتخصصة في التواصل الاستراتيجي وتطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي، أن وظائف المستقبل لا تظهر بالضرورة كتخصصات مستقلة، وإنما تنشأ من إعادة تشكيل الأدوار المهنية عند تقاطع المعرفة الإنسانية مع التكنولوجيا.
وتوضح أن انتشار الذكاء الاصطناعي التوليدي أسهم في ظهور أدوار جديدة، مثل هندسة الأوامر، وتصميم المحتوى البصري باستخدام الذكاء الاصطناعي، وتطوير مكتبات الأوامر المتخصصة، وإدارة جودة مخرجات النماذج الذكية.
كما أصبح الذكاء الاصطناعي شريكا في العملية الإبداعية، حيث يمكن للمصمم استخدام أدوات توليد الصور لتطوير الأفكار والنماذج الأولية، مع استمرار دوره في توجيه العملية الإبداعية وتحويلها إلى مخرجات ذات قيمة.

سلطنة عماننفط عُمان يقفز 9.33 دولار ويتجاوز 107 دولارات للبرميل
الفضول والتعلم المستمر يصنعان المسارات الجديدة
وتؤكد الرشيدية أن الفضول الشخصي يمثل محركا أساسيا لاكتشاف المهن الجديدة، مشيرة إلى أن الوظائف المستقبلية قد تنشأ من دمج أكثر من مجال، مثل التصميم والذكاء الاصطناعي أو التواصل المؤسسي والتقنيات الذكية.
وترى أن امتلاك القدرة على التعلم المستمر واستكشاف التقنيات الناشئة وإعادة توظيفها داخل التخصصات المختلفة يمنح الأفراد فرصة للمساهمة في ابتكار خدمات وأدوار مهنية جديدة.
وتضيف أن هذا التحول يمثل فرصة للشباب العماني لإعادة تعريف علاقتهم بسوق العمل، من خلال تطوير مهارات هجينة تجمع بين الإبداع والتقنية، واستشراف احتياجات المؤسسات وصناعة خدمات تلبي متطلبات الاقتصاد الرقمي.
المهن التقليدية باقية.. لكن أدواتها تتغير
من جهته، يرى سعيد بن مبارك الغنامي، نائب رئيس مجلس إدارة الجمعية العمانية لتقنية المعلومات، أن سوق العمل خلال العقد المقبل قد لا يشهد تغييرا جذريا في أسماء المهن بقدر ما سيشهد تحولا في طبيعة ممارستها والأدوات المستخدمة فيها.
وأوضح أن مهن الطبيب والمهندس والمعلم والمحاسب وغيرها ستظل أساسية، لكن المهارات الرقمية والبيانات والذكاء الاصطناعي ستصبح أكثر حضورا في طريقة أداء هذه الوظائف وقياس أثرها.
وأشار إلى أن مستهدفات رؤية عمان 2040، خصوصا في الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة واللوجستيات والسياحة والاستدامة، ستسهم في إعادة تشكيل الأدوار الحالية وظهور مهن تجمع بين أكثر من تخصص.

المهن الهجينة.. عنوان سوق العمل المقبل
وتوقع الغنامي ظهور نماذج مهنية تجمع بين المعرفة المتخصصة والتقنيات المتقدمة، مثل متخصص في الزراعة الدقيقة يعتمد على الذكاء الاصطناعي، وخبير في الصيانة التنبؤية لمحطات الطاقة، ومصمم لتجارب سياحية ذكية، ومسؤول عن حوكمة الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات.
وأكد أن امتلاك أدوات الذكاء الاصطناعي وحده لن يكون كافيا لصناعة ميزة تنافسية، موضحا أن القيمة الحقيقية تظهر عند توظيف هذه التقنيات لحل مشكلات واقعية أو تطوير خدمات ومنتجات جديدة.
الابتكار هو الطريق إلى فرص عمل مستدامة
وأشار الغنامي إلى وجود فرق بين استخدام الذكاء الاصطناعي لإنجاز المهام اليومية، وبين تطوير خدمات قائمة على هذه التقنيات يمكن أن تتحول إلى مشروعات وفرص عمل.
وأكد أن المنافسة المستقبلية لن تكون بين من يمتلك أدوات الذكاء الاصطناعي، بل بين من يستطيع استخدامها لفهم احتياجات السوق وحل المشكلات وابتكار منتجات وخدمات ذات أثر اقتصادي.
وبذلك، يتجه سوق العمل تدريجيا من نموذج انتظار الوظائف الجاهزة إلى نموذج أكثر مرونة يقوم على صناعة الفرص، وتطوير المهارات، ودمج التخصصات، وتحويل التكنولوجيا إلى قيمة اقتصادية حقيقية، بما يمنح الشباب العماني دورا أكبر في صناعة وظائف المستقبل.








