يُمثّل قرار إلزامية الفحص الطبي قبل الزواج لجميع العُمانيين الراغبين في الزواج، وفقًا للمرسوم السُّلطاني رقم 111 / 2025، ركيزةً أساسيّةً في منظومة الصحّة الوقائيّة، إذ يسهم في الحدّ من انتشار الأمراض الوراثية والجينيّة والمُعدية، وحماية صحة الأسرة والمجتمع، والحدّ من انتقالها، بما يضمن حماية صحة الزوجين والأبناء مستقبلًا، خاصة في ظلّ ما تفرضه هذه الأمراض من تحدّيات صحيّة واجتماعيّة واقتصاديّة.
وأكّد عددٌ من المختصين في الجانب الصحي على أهمية الفحص الطبي قبل الزواج في الوقاية من الأمراض الجينية والوراثية والمعدية، مشيرين إلى دوره في الكشف المبكر وتقليل الأعباء الصحية على الأسرة والنظام الصحي، وأنّ إلزامية الفحص ستسهم في تحسين الصحة العامة وتعزيز الوقاية، بما يتماشى مع الأهداف الوطنية لصحة الأسرة والمجتمع.
الأمراض الأكثر شيوعًا
فقالت الدّكتورة انتصار بنت ناصر الشكرية، استشارية في علم الفيروسات بالمختبر المركزي للصحة العامة بوزارة الصحة، إنّ فقر الدم المنجلي يُعدّ الأكثر شيوعًا وخطورة من حيث المضاعفات الصحية، إلى جانب الثلاسيميا، وخاصة “بيتا ثلاسيميا” التي تتطلب نقل دم مستمر، مشيرةً إلى أنّ معظم هذه الأمراض (المنجلية والثلاسيميا) تنتقل عبر الوراثة المتنحية، وهو ما يعني أنّ المرض لا يظهر إلا إذا ورث الطفل الجين المعيب من كلا الأبوين.
وأضافت أنّ الفحص يكشف عن الأشخاص «الحاملين لجين المرض» الذين يبدون أصحاء ظاهريًّا ولا تظهر عليهم أي أعراض، موضحةً أنّه إذا كان أحد الخاطبين سليمًا والآخر حاملًا للمرض، تكون الذرية سليمة ظاهريًّا (وقد يكونون حاملين للسمة فقط)، في حين يكمن الخطر عند زواج طرفين كلاهما «حامل للمرض»، ومن هنا يتدخل الفحص لتنبيههما بوجود احتمالية تبلغ 25 بالمائة في كل حمل لإنجاب طفل مصاب إصابة كاملة.
وأكّدت على أنّ الكشف المبكر يسهم في تقليل الأعباء بشكل جذري من خلال مسارين؛ يتمثل الأول على مستوى الأسرة، إذ يؤدي الفحص المبكر إلى تجنب معاناة الأسرة، حيث يعاني الطفل المصاب بالمنجلية أو الثلاسيميا من نوبات ألم شديدة، وفقر دم مزمن، وحاجة متكررة للتنويم ونقل الدم، مما يستنزف طاقة الأسرة النفسية والمادية. كما أنّ هذا الفحص قد يُحسّن من جودة الحياة الأسرية، فالوقاية تعني أطفالًا أصحاء يمارسون حياتهم وتعليمهم دون انقطاع بسبب المرض.
تكلفة علاج الأمراض الوراثية
ووضّحت أنّ المسار الثاني يتمثل على مستوى النظام الصحي، إذ تصل تكلفة علاج هذه الأمراض الوراثية إلى نحو 55 مليون ريال عُماني سنويًّا، تُصرف على الأدوية، ونقل الدم، والعمليات الجراحية، وعلاج مضاعفات القلب والعظام، وزراعة النخاع، مشيرةً إلى أنّ التقليل من عدد المواليد المصابين يتيح توجيه هذه الموارد لتحسين خدمات صحية أخرى.
وذكرت أنّه في حال أظهرت نتائج الفحص أنّ كلا الطرفين حامل للجينات الوراثية، وقررا إتمام الزواج رغم النصيحة الطبية، توجد خيارات طبية لتقليل مخاطر إنجاب طفل مصاب، من أبرزها الفحص الوراثي قبل الانغراس، إلا أنّ التكلفة العالية لهذا الفحص، ونسبة عدم نجاحه، ومحدودية توفره، والمضاعفات المرتبطة به، تحدّ من استخدامه، على الرغم من كونه الحل الطبي الأمثل حاليًّا.
وأكّدت على أنّ أهمية التثقيف الوراثي تتجلى في توضيح العديد من الجوانب التي قد يجهلها المقبلون على الزواج، إذ يساعدهم على فهم الفروقات الجوهرية بين الشخص المصاب بالمرض الوراثي وحامل الجين، فالأخير يتمتع بصحة جيدة تمامًا ولا تظهر عليه أي أعراض، ومعرفة هذه الحقيقة تُسهم في إزالة أي وصمة اجتماعية قد ترتبط بحمل الجين.
إصابة الأطفال
وأضافت أنّ التثقيف الوراثي يوضّح أنّ احتمالية إنجاب طفل مصاب بالمرض الوراثي تبلغ 25 بالمائة في كل حمل عندما يكون كلا الزوجين حاملين للجين، وأنّ هذه النسبة تتكرر مع كل حمل جديد، وليست حادثة واحدة فقط. كما يصحح التثقيف بعض المفاهيم المغلوطة المنتشرة في المجتمع، مثل الاعتقاد بأنّ زواج الأقارب هو العامل الوحيد لظهور الأمراض الوراثية، في حين أنّ أشخاصًا غير مرتبطين بصلة قرابة قد يحملون الطفرة الجينية نفسها الشائعة في المجتمع.
وأشارت الدكتورة انتصار بنت ناصر الشكرية إلى أنّ التثقيف الوراثي يهدف إلى تمكين الأزواج من اتخاذ قراراتهم المستقبلية عن وعي كامل ومسؤولية، استنادًا إلى معطيات علمية دقيقة، بعيدًا عن الانفعالات أو العواطف فقط.
من جانبه قال الدكتور مصلح بن محمد المصلحي، اختصاصي أول أمراض دم ورئيس قسم المختبرات بمستشفى إبراء، إنّ الفحص الطبي قبل الزواج يُسهم بشكلٍ كبير في الحدّ من انتقال الأمراض المعدية بين الزوجين، ومن الأم إلى الجنين من خلال الكشف المبكر عن الإصابات المحتملة، إذ يشمل هذا الفحص مجموعة من التحاليل المخبرية للأمراض المعدية التي قد تنتقل عبر الاتصال الزوجي أو أثناء الحمل والولادة.
تقليل خطر انتقال العدوى
وأضاف أنّ الاكتشاف المبكر للإصابة يُعدُّ عاملًا أساسيًّا في تقليل خطر انتقال العدوى إلى الفئات الأكثر عرضة، كما يتيح التدخل العلاجي والمتابعة الطبية في الوقت المناسب، مما يحدّ من تطور المرض ويقلل من مضاعفاته المحتملة. وأكّد على أنّ الوقاية من انتقال هذه الأمراض تسهم في حماية الأسرة المستقبلية من الآثار الصحية، والتداعيات النفسية والاجتماعية التي قد تنجم عن الإصابة بها، بما يعزز الاستقرار الأسري والصحة العامة في المجتمع.
وبيّن أنّ التحدي الأكبر في الفحص الطبي قبل الزواج لا يكمن في اكتشاف الحالة الإيجابية بحدّ ذاته، بل في كيفية إدارتها طبيًّا وإنسانيًّا وأخلاقيًّا، مع الحفاظ على دقة التشخيص وكرامة المراجع وسلامة المجتمع، موضحًا أنّ الحالات الإيجابية المكتشفة لا تعني تشخيصًا نهائيًّا فوريًّا، وإنما تتطلب وقتًا إضافيًّا لتأكيدها مخبريًّا وطبيًّا عبر فحوص تأكيدية وإعادة التقييم عند الحاجة.
وأشار إلى أنّ الطبيب يقوم بمراجعة جميع الفحوصات المشمولة بالفحص، بما في ذلك فحوصات الأمراض المعدية مثل نقص المناعة المكتسب (الإيدز)، والتهاب الكبد الوبائي (ب) و(ج)، ومرض الزهري، مؤكّدًا على أنّ أي حالة موجبة يتمُّ التعامل معها وفق مسار معتمد، وتقديم العلاج اللازم للحالات التي تتطلب ذلك، استنادًا إلى دليل العمل الإرشادي لبرنامج الفحص الطبي قبل الزواج.
وحول أهمية قرار إلزامية الفحص الطبي قبل الزواج، أكّد على أنّ هذا القرار ينعكس إيجابًا على جهود الصحة العامة في السيطرة على الأمراض المعدية مستقبلًا من خلال شمول جميع الفئات المستهدفة بالفحص، مما يُتيح الكشف المبكر والوقاية، وبالتالي خفض معدلات انتشار هذه الأمراض على مستوى المجتمع.
وبيّن أنّ القرار يُسهم في تعزيز منظومة الصحة الوقائية عبر رفع مستوى الوعي الصحي، ونشر ثقافة “الوقاية خير من العلاج”، الأمر الذي يؤدي إلى تحسين السلوكات الصحية وتعزيز الشعور بالمسؤولية الفردية تجاه الصحة الشخصية وصحة المجتمع، إضافة إلى دعم استدامة برامج مكافحة الأمراض المعدية وتخفيف العبء الصحي والاقتصادي الناتج عن علاج الحالات المتقدمة.
وأشارت الدكتورة رية بنت سعيد الكميانية، رئيسة قسم الرعاية قبل الحمل بدائرة الصحة الإنجابية بالمركز الوطني لصحة المرأة والطفل، إلى أنّ من أهم مؤشرات نجاح برنامج الفحص الطبي قبل الزواج قياس عدد المستفيدين من الخدمة مقارنة بعدد المتزوجين في العام نفسه، إلى جانب قياس فاعلية البرنامج على المدى الطويل من خلال خفض معدلات الإصابة بأمراض الدم الوراثية، مثل فقر الدم المنجلي والثلاسيميا بيتا، بين المواليد الجدد.
الفحص الطبي قبل الزواج،
وبيّنت أنّه مع تزايد الوعي المجتمعي بأهمية الفحص الطبي قبل الزواج، ارتفعت نسبة المستفيدين من الخدمة لتصل إلى 42 بالمائة في عام 2024، إلا أنّ هذه النسبة لا تزال غير كافية في ظل ارتفاع معدلات انتشار أمراض الدم الوراثية، التي تصل إلى 9.5 بالمائة بحسب آخر الإحصاءات الوطنية.
وأكّدت على أنّ تطبيق سياسة إلزامية الفحص سيُسهم في تقليص هذه الفجوة بشكلٍ كبير.
ووضحت أنّ وزارة الصحة عملت على تعزيز البنية الأساسية بما يضمن استمرار تقديم الخدمة بكفاءة وجودة عالية من خلال توفير الأجهزة الطبية والمحاليل المخبرية اللازمة للفحوصات المشمولة بحزمة الفحص الطبي قبل الزواج.
وأضافت أنّ الوزارة قامت بتحديث وإصدار أدلة العمل الإرشادية لتوحيد معايير تقديم الخدمة على المستوى الوطني، إلى جانب الاستمرار في تدريب الكوادر الطبية من الأطباء وفنيي المختبرات لرفع كفاءتهم الفنية والعلمية.
كما ذكرت أنّ الوزارة أصدرت دليل مواصفات واشتراطات تقديم خدمة الفحص الطبي قبل الزواج للمؤسسات الصحية الخاصة، واعتمدت عددًا من المؤسسات التي استوفت هذه الاشتراطات إلى جانب تدريب كوادرها الطبية لضمان جودة الخدمة المقدمة.
وحول انسجام قرار إلزامية الفحص الطبي قبل الزواج مع الاستراتيجيات الوطنية لتعزيز صحة الأسرة والمجتمع، أكّدت الدّكتورة رية بنت سعيد الكميانية على أنّ هذا القرار يحقق أهداف وزارة الصحة في بناء مجتمع صحي ومستدام، حيث ترتكز الاستراتيجية الوطنية لصحة الأسرة والمجتمع على الوقاية والكشف المبكر عن الأمراض، وهو ما يتماشى مع الهدف الأساسي لإلزامية الفحص في حماية الأسرة من انتقال الأمراض المعدية وأمراض الدم الوراثية الشائعة في سلطنة عُمان، وخفض معدلات الإصابة بها.
ويمثّل قرار إلزام الفحص الطبي قبل الزواج توجهًا وطنيًّا نحو ترسيخ الوقاية كخيار أول للصحة العامة عبر الحدّ من انتقال الأمراض الجينية والوراثية والمعدية، وتمكين المقبلين على الزواج من اتخاذ قرارات واعية، بما يعزّز استدامة النظام الصحي ويحمي الأسرة العُمانية.





