الأحمر المشرق.. كيف وصلت لوحة “الحلوى” لمكانتها العالمية؟

حول الخبر: اللوحة معروضة حاليًا في "متحف الملاذ" Hermitage Museum، في سان بطرسبرغ.
لوحة "تناغم الأحمر" للفنان الانطباعي الفرنسي هنري ماتيس (مواقع التواصل)
لوحة "تناغم الأحمر" للفنان الانطباعي الفرنسي هنري ماتيس (مواقع التواصل)

نشر في: الثلاثاء,8 فبراير , 2022 5:17م

آخر تحديث: الثلاثاء,8 فبراير , 2022 11:32ص

لوحة واحدة لكن لها عدة أسماء، البعض يُطلق عليها “الغُرفة الحمراء” وآخرون يُطلقون عليها “تناغم الأحمر” وفئةٌ ثالثة تُسميها “الحلوى”. أما صاحبها، الانطباعي الفرنسي هنري ماتيس (1869- 1954)، والذي قام برسمها عام 1908، فكان قد رسمها باسم “الغُرفة الزرقاء” في البداية كما طُلب منه، إلا أنه سريعًا ما شعر بالإحباط من لونها الأزرق وقرر تحويلها للأحمر.

هذه اللوحة، حسب نُقاد ومؤرخين فنيين، تجمع بين مبادئ الفن الياباني وقواعد الزخارف الإسلامية وأساسيات المذهب الانطباعي، وما تطور منه من فروع مثل ما بعد الانطباعية والوحشية، الذي كان طليعيًا ورائدًا في أوروبا مطلع القرن العشرين. وقد صارت اللوحة واحدة من روائع الفن العالمي بسبب شموليتها على العديد من أصول وقواعد الثقافات الفنية.

نرى فيها امرأة تنحني لوضع الحلوى على طاولة مزينة بمفرش منقوش، ولا يكاد يظهر فارق أفقي أو عرضي بين الطاولة والغرفة المدهونة بنفس اللون والزخارف والمنمنمات الزرقاء البسيطة. وتوجد في الخلفية نافذة مفتوحة على منظر طبيعي مختلف كليًا عن الغرفة التي تشغل المساحة الكبرى من اللوحة، حتى يكاد يعتبر لوحة صغيرة داخل اللوحة الكبرى.

اللوحة معروضة حاليًا في “متحف الملاذ” Hermitage Museum، في سان بطرسبرغ. يبلغ ارتفاعها 180 سنتيمترا، وعرضها 220 سنتيمترا، ومرسومة بالزيت على القماش، وتحتوي على كافة الألوان تقريبًا وتم توظيفها في سياق بسيط، وبأسلوب لا يتناقض مع اللون الأساسي المُسيطر على اللوحة وهو الأحمر.

الأحمر الوحشي

ظهرت الانطباعية في أوروبا كمدرسة تعبيرية جديدة في الرسم أواخر القرن الـ 19 وأوائل “العشرين” على يد الرسّام الفرنسي كلود مونيه. وقد جمعت حولها الكثير من الرسّامين الذين سُرعان ما أعجبوا بالطرق الحديثة والانسيابية في التعبير عوضًا عن الكلاسيكية المفرطة التي سيطرت منذ القرون الوسطى.

كانت المدرسة الجديدة تعتمد على رسم العناصر والأشياء وفقًا لتأثير الظل والنور عليها. وقد ترك الكثير من الرسّامين مراسمهم الخاصة وخرجوا للعمل في الهواء الطلق لإظهار تباين الظل والنور وأثرهم على التشكيل والتلوين. كذلك اتبعت الانطباعية أسلوبا أكثر تحررية في التلوين حيث عمد الرسامون إلى استخدام ضربات حادة ومتقطعة للفرشاة. وتعد لوحة الرسّام كامي بيسارو “وقت العصاري في المروج” عام 1887، مثالا واضحا لتلك المدرسة.

لم تتوقف الانطباعية عند هذه الوسائل والتقنيات. فقد تطورت أشكال من الانطباعية عُرفت بالوحشية. وهي شكل أكثر حداثة يعتمد على الألوان المتوهجة والحارة في التعبير. كان ماتيس وعدد كبير من الرسّامين قد مضوا قدمًا نحو الوحشية لما فيها من جرأة في التعبير وتمرد أكبر على القواعد الكلاسيكية في الرسم.

لوحة الرسّام كامي بيسارو “وقت العصاري في المروج” (مواقع التواصل)

أثر الفن الياباني

قدمت الحركة الفنية اليابانية المسماة (Ukiyo-e) والتي تعني “صور العالم العائم” رابطًا مهمًا بين عالم الفن الغربي والشرقي. وهي حركة بالغة القدم في هذا البلد، حيث تعتمد رسم الزخارف والمنمنمات الصغيرة (خاصة الأزهار والنباتات) على ألواح خشبية رقيقة. ويعتمد اليابانيون فلسفة خاصة في هذا النمط من الرسم.

وقد وصف الفنانون اليابانيون في القرن الـ 17 فلسفة “أوكييو-إي” بأنها تمثيل للحالة الروحية “نعيش اللحظة فقط. تستحوذ لذة تفتح الكرز على كامل انتباهنا: نغني الأغاني.. وتتحول أنفسنا إلى شيء هائم عائم، وكأنها يقطين عائم مع تيار النهر”.

ألهمت فنون العالم العائم على هذا النحو الكثير من الانطباعيين الذين رأوا أن المطبوعات الخشبية البسيطة للرسامين اليابانيين تصور مشاهد من الحياة اليومية دون الاهتمام بتفاصيل أو دقة اللوحة، ولكن لمجرد جمال اللوحة نفسها.

وتوجهوا لإزالة التفاصيل الزائدة والخلفيات المعقدة، وهذا ما يظهر جليًا في “تناغم الأحمر” حيث لا يوجد نقطة مركزية للوحة تنطلق منها بقية العناصر. كما لا يوجد عنصر أو شيء ثلاثي الأبعاد، فقط المشهد المسطح ثنائي البعد المليء بالزخارف.

قدمت الحركة الفنية اليابانية (أوكييو-إي) رابطًا مهمًا بين عالم الفن الغربي والشرقي (مواقع التواصل)

الأثر العربي الإسلامي

مثلما اقترن وصول الزخارف اليابانية إلى أوروبا بتطور ونشأة الانطباعية. فإن فن المنمنمات الإسلامية لم يكن عن ذلك ببعيد. فقد تأثرت الفنون الطليعية الناشئة بالميراث الإسلامي الفني الضخم الذي انتقل لأوروبا، كما انتقل فن المنمنمات الإسلامية والنقوش والزخارف التي زينت أمهات الكتب العربية والفارسية بالتبعية إلى أوروبا، مثلما انتقلت التوابل والمشكاوات والسجاد وغير ذلك من الأعمال الفنية.

نفس الأمر يؤيده أستاذ الفنون الجميلة نوح تشارني صاحب كتاب “تزوير الفن” والذي يعتبر أن الفنون العربية والإسلامية كان لها أبلغ الأثر على الفن الأوروبي على مدار قرون، وأنها بالإضافة للمطبوعات اليابانية التي تبنت فلسفة العالم العائم أثرت بل وشكلت وجدان الانطباعيين الطليعيين في أوروبا.

وتظهر الغرفة الحمراء مبنية على كل تلك الروافد، والرسومات المسطحة اليابانية والزخارف والمنمنمات الإسلامية الفارسية والعربية والمبادئ المتعارف عليها للحركة الانطباعية وما تطور منها في نفس الوقت. كل هذا الثراء الفني -الذي اشتملت عليه اللوحة- وضعها في مصاف اللوحات الفارقة بتاريخ الفن التشكيلي.

المصدر: مواقع إلكترونية ـ التأمل

رابط مختصر

قد يُعجبك أيضًا:

تابعنا:

Secret Link