على مدار الـ70 عاما الماضية، حذرت مؤسسة الصحة العامة في البلدان الناطقة بالإنجليزية، من أن الدهون المشبعة تشكل خطورة على صحة الإنسان.
ومع ذلك، لم تستطع دراسة ضخمة، أجريت عام 2010، وشملت 500 ألف شخص، في 23 موقعا أوروبيا، لمدة 8 سنوات، أن تثبت صحة هذه التوصية، وكان من عواقب ذلك أن 60% من البريطانيين يعانون الآن من زيادة الوزن أو السمنة.
وفي أواخر الشهر الماضي، نشرت مجلة “بلوس ميديسن” (PLOS Medicine) العلمية، نتائج دراسة جديدة، بالتعاون بين باحثين في السويد والولايات المتحدة وأستراليا، وشملت 4150 شخصا بعمر 60 عاما، تمت متابعتهم على مدى 16 عاما، جاءت بأدلة بحثية حديثة وعالية الجودة، حطّمت كثيرا من النصائح الغذائية التي تحض على تجنب دهون الألبان، وذلك عن طريق قياس مستويات حمض دهني معين في الدم، موجود بشكل أساسي في منتجات الألبان.
وأكدت الدراسة أن اتباع نظام غذائي غني بدهون الألبان قد لا يزيد -بل يقلل- من الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية. واعتمدت نفس النتائج بالنسبة للأطعمة التي تحتوي على الدهون المُشبعة، كاللحوم والبيض.
الدليل الأكثر شمولًا
يقول الدكتور ماتي ماركلوند، من كلية “جونز هوبكنز بلومبيرغ” للصحة العامة، والمشارك في الدراسة، إن ارتفاع استهلاك منتجات الألبان في جميع أنحاء العالم، جعلنا في حاجة إلى فهم أفضل للتأثيرات الصحية، بعد متابعة المشاركين على مدار ما يقرب من عقدين في المتوسط، لمعرفة عدد من أصيبوا بالنوبات القلبية، والسكتات الدماغية، وغيرها من حوادث الدورة الدموية الخطيرة، وعدد الذين ماتوا خلال هذه الفترة لأي سبب، وبعد أخذ عوامل مثل العمر والدخل، ونمط الحياة، والعادات الغذائية، وأمراض أخرى في الحسبان.
وأظهر البحث أن أولئك الذين يتناولون كميات أكبر من دهون الألبان -التي ترفع مستويات الأحماض الدهنية في الدم- لديهم مخاطر أقل للإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، مقارنة بمن يتناولون كميات منخفضة من الدهون.
وقال الباحثون:
إنهم “لم يجدوا ارتباطا بين تناول كميات أكبر من دهون الألبان، وزيادة خطر الوفاة”، وذلك بعد أن قاموا بمطابقة نتائج هذه الدراسة مع نتائج 17 دراسة شملت نحو 43 ألف شخص من الولايات المتحدة، والدانمارك، والمملكة المتحدة، ودعمت الدليل “الأكثر شمولا حتى الآن، حول العلاقة بين استهلاك دهون الألبان، والإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، والموت”.
وهي العلاقة التي يصفها الدكتور ماركلوند، بأنها “مثيرة للاهتمام، لكنها تحتاج إلى مزيد من الدراسات، لفهم التأثير الصحي الكامل لهذه الدهون”.
لكنه يؤكد في نفس الوقت، أن الدراسة لم تجد أي ضرر من دهون الألبان في حد ذاتها، بل على العكس من ذلك، أظهرت الدلائل المتزايدة، أن تقليل دهون الألبان أو تجنب منتجاتها تماما، قد لا يكون الخيار الأفضل لصحة القلب.
yogurtyogurtالأشخاص الذين يتناولون كميات أكبر من دهون الألبان لديهم مخاطر أقل للإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية
الألبان مفيدة لصحة القلب
ويتفق الدكتور براين باور، أخصائي علوم التغذية، في معهد “سليغو” الأيرلندي للتكنولوجيا، والذي لم يشارك في البحث، مع الرأي السابق، قائلا “إن هذه الدراسة تشجعنا على إعادة التفكير فيما اعتقدنا أننا نعرفه عن العلاقة بين الطعام والأمراض، فلم يعد يُفترض تجنب منتجات الألبان، عندما نتحدث عن الأكل الصحي”.
كذلك قالت، الدكتورة كاثي تريو، من معهد جورج للصحة العالمية، والمشرفة على الدراسة، إن “استهلاك منتجات الألبان -وخاصة القديمة منها- ارتبط سابقا بفوائد لصحة القلب، ويمكن أن يكون جزءا من نظام غذائي صحي”، وإن كانت الدهون الأخرى، مثل تلك الموجودة في المأكولات البحرية والمكسرات، “يمكن أن تكون لها فوائد صحية أكبر من دهون الألبان”.
من جهتها، أوضحت الدكتورة أليس ليشتنستاين، كبيرة العلماء في مختبر تغذية القلب والأوعية الدموية، بجامعة تافتس، لموقع “سي إن إن” (CNN)، أن “هناك عوامل أخرى قد تكون أسهمت في انخفاض خطر الإصابة بأمراض القلب، إلى جانب تناول دهون الألبان”.
حيث تشير بيانات الدراسة إلى أن من خضعوا للبحث ولدوا إما في السويد -يُعد استهلاك الألبان ومنتجاتها في البلاد، من بين أعلى المعدلات في العالم- أو فنلندا، ويتبعون نظاما صحيا عالي الجودة، “فلديهم معدل مؤشر كتلة جسم متدنّ، ونشاط بدني أكبر، وتدخين أقل، ويتناولون كميات أكبر من الخضار والفاكهة والأسماك، وكمية قليلة من اللحوم المصنعة، بالإضافة إلى معدلات منخفضة من مرض السكري وأمراض القلب، ومستوى تعليمي أعلى”.
الاعتدال في الاستهلاك
نُشرت دراسة كبرى في مجلة “لانسيت” (thelancet) الطبية، عام 2018، أجريت في 21 دولة منخفضة ومتوسطة الدخل، وضمت أكثر من 135 ألف شخص، وأظهرت أن استهلاك 3 حصص صغيرة من منتجات الألبان يوميا (الحصة الواحدة تساوي 244 غراما من الحليب أو الزبادي، أو 15 غراما من الجبن، أو ملعقة صغيرة من الزبدة)، قد يقي بالفعل من أمراض القلب والسكتة الدماغية.
وقالت الدكتورة محشيد دهغان، من جامعة ماكماستر الكندية، لصحيفة الغارديان (theguardian) البريطانية، إن “تناول كمية معتدلة من منتجات الألبان، يمكن أن يحمي القلب، بدلا من إتلافه”، وحثت الأشخاص الذين لديهم استهلاك منخفض جدا من منتجات الألبان، على زيادة استهلاكهم دون قلق.
وبشأن ما يشاع بأن الدهون المشبعة التي تحتوي عليها، ترفع مستويات الكوليسترول الضار (LDL)، المرتبط بأمراض القلب، فهي غنية أيضا بعناصر غذائية مفيدة لنا، بما في ذلك الأحماض الأمينية، والدهون غير المشبعة، وفيتامين “كيه1″ (K1) و”كيه2” (K2)، والكالسيوم والمغنيسيوم والبوتاسيوم، مما يجعل من غير المعقول رفضها.
وإن كان مؤلفو الدراسة، حذروا من أن الإفراط في تناول منتجات الألبان، لا يُنصح به أيضا، حيث تحتوي الأطعمة التي تشتمل على الدهون المشبعة على نسبة عالية من السعرات الحرارية، مما قد يؤدي إلى السمنة ومشاكل صحية خطيرة، وتقول الدكتورة دهغان، إن “رسالة الدراسة هي الاعتدال”.
المصدر: الجزيرة – التأمل