كما يزخر الطب الشعبي باستخدامات اللبان، مثل: نقعه بالماء لتخفيف آلام اللثة، والسعال، وتضميد الجراح، ومعالجة التهاب المفاصل، خاصة أنه يحتوي على مادة الكورتيزون الطبيعية المثبطة للالتهابات، ويعتقد البعض أن استخدامه كبخور قادر على تطهير الأجواء، وينسب لابن سينا قوله عن شجرة اللبان إنها “تداوي جميع الأمراض”.
يأخذني بخور اللبان إلى الألف الأول قبل الميلاد، حيث مدينة سمهرم في ظفار، ومينائها العتيق، الذي كان نقطة وصل بين حضارات العالم القديم، ومنه صدر اللبان إلى بقاع الأرض من مصر إلى روما.
وعلى الجانب البري، قوافل الشرق الأدنى تتجه نحو مدينة اللبان. في ومضات كانت روما تشتعل ، تظن أن حرباً قد قامت في المدينة، التي يغطيها الدخان الناتج عن الحرائق إلا أن الروائح العطرة والزكية لم تكن سوى بخور اللبان، بعد أن أحرق الإمبراطور الروماني نيرون حصاد اللبان لعام كامل في جنازة حبيبته.
يعود ويحملني اللبان كذلك إلى الألفية الثانية قبل الميلاد، حيث الأسطول البحري التابع لملكة مصر القديمة حتشبسوت، والعائد محملاً بثمار الأشجار البخارية في ظفار، أو كما أطلقت عليها النصوص المصرية العتيقة بلاد “بونت”، تلك الرحلة التي خلدها المصريون على جدران معبد الدير البحري في طيبة، لكنها لم تكن الرحلة الأولى، فقد سبقتها بعثة الملك ساحورع من الأسرة الخامسة، وبعثة الملك منتوحتب الثاني.
الجدير بالذكر أن المؤرخين اختلفوا على موقع بلاد “بونت”، وذهبت الاحتمالات أن تكون بين الصومال وسلطنة عمان أو اليمن وأثيوبيا، أي الأراضي التي تحتضن تربتها الشجرة الأسطورية، لكن جودة اللبان العماني عالمياً، وتصنيفه بالأفضل، يدفع بترجيح أن تكون بلاد “بونت” في سلطنة عمان.
كشهيدة الحب الأبدي، تنتظر الشجرة التاريخية مجيء جامعي الثمار في الشهر الرابع من كل عام، حاملين معهم أدواتهم الحادة ليغرسوها في جذعها الصلب، الذي قاوم آلاف الطعنات، التي تلقتها قشرتها الخارجية مراراً بصبر وصمود عجيبين، بينما ينزف من جذعها السائل الحليبي اللزج الملقب بالذهب الأبيض ليتجمد بعد نزوله، ويترك لمدة 14 يوماً، وتبدأ بعدها العملية الثانية من الطعن أو كما تعرف بـ”التجريح”، بينما يكون الجمع بعد أسبوعين من ذلك.
يشبه المؤرخون اللبان في الزمن الأول بالنفط في يومنا هذا، ويعود ذلك لندرته، واستخداماته المتنوعة.
أذكر عبارة قرأتها لريم الكمالي، كاتبة وباحثة، تقول إن اللغات الأخرى اشتقت كلمة اللبان من أصلها العربي، فذكرت في اللاتينية ليباني، وفي الإغريقية ليبانوس، ولم تظهر كلمة الصمغ إلا في الكتابات الآشورية.
القصة الأسطورية لشجرة اللبان، وعلاقة الحب المحرمة بين الجنية والإنسي، كانت محور أحداث رواية “موشكا” للكاتب العماني محمد الشحري، يكتب: “من هي موشكا؟ هي حكاية أسطورة أنثى أصابتها اللعنة، أنثى أحبت، عشقت، حاولت أن تتبع هواها حيثما توجه، لكنها قوبلت بالرفض والنكران والجحود وبالخسّة من أهلها، ومن العشيق الذي خالفت لأجله نصائح أمها، وتعاويذ النساء الكاهنات من جنسها، حين مسّوا جسدها بعد بلوغها المحيض، تركها عاشقها وحدها، بعد أن أخذ منها ما أراد أخذه”.

وبلغة شاعرية، يحكي الشحري: “واصلت اللبانة تلاوة آهاتها على مسمع الكائنات الممسوخة منذ الطوفان، منذ أن كان لكل كائن قصة وكيان وملاحم من هزائم وانتصارات، تروى تارة، وتوأد تارة في لجّة الكتمان”.
“اطعنوني قدر همتكم، واثخنوني جرحاً… أنا التي استحقت لعنة الأسلاف، الذين خرجت عن ملتهم، وركبت عواطفي، وامتطيت صهوة جموحي، غير مبالية”.
وكشف الكاتب العماني، في حوار منشور، عن معنى اسم روايته موضحاً: “كلمة موشكا إغريقية وردت في كتاب (الطواف حول البحر الإريتري لمؤلف مجهول)، وتشير الكلمة إلى ميناء سمهرم أو خور روري، المكان الذي يُصدّر منه اللبان في ظفار، وهو مكان محاط بالأساطير ونُسجتْ حوله قصص وحكايات محبوكة بخيوط السحر”.

وحول عدم تدوين العديد من الأساطير المحكية والمتناقلة شفهياً، يرى أن الذاكرة الشفوية حفظت الكثير من التراث الشفوي، “واللغة التي تسربت من عوالمها هذه القصص والأساطير هي لغة شفوية غير مكتوبة، وهي (الشحرية) لهجتي الأم… ولغة الحُلم كذلك”.
ستبقى شجرة اللبان تتمسك بالأرض، ولن تعرف الفناء إلا معها، وستشهد شعوباً متعاقبة لسنين قادمة، تهبهم من وجعها دواءً، وستظل الأساطير تحوم حول أصلها وعمرها ولغز بكائها المكتوم، وسيخيل لحراسها سماع أنينها ومناجاتها، وسيهرب العابثون عندما تخيفهم، وهي تتحول أمامهم إلى شكلها الأول.
أراها بشموخها، وبشرتها القمحية، وضفيرتين تستقران عند كتفيها، وثوب ظفاري عماني بلون التربة، تنفضه عن جسدها فتتبعثر حبات الذهب الأبيض في المكان، وريح بخور اللبان تعم الأجواء.
المصدر: رصيف