الجمعة,22 أكتوبر , 2021م

باحث: البشر لم يكونوا ينامون دفعة واحدة كل “24” ساعة

حول الخبر: حسب هذه الأطروحة فإن الذي ينام مثل معظم الناس مرة واحدة لست أو 7 أو 8 ساعات كل 24 ساعة، هو شخص قد تم تشكيله بواسطة نظام اقتصادي وأيديولوجي ضار.
إكيرش: نظام النومتين محي من الذاكرة الجماعية ولم يبق سوى اضطرابات من بقايا هذه العادة القديمة
إكيرش: نظام النومتين محي من الذاكرة الجماعية ولم يبق سوى اضطرابات من بقايا هذه العادة القديمة

نشر في: الأربعاء,13 أكتوبر , 2021 5:17م

آخر تحديث: الأربعاء,13 أكتوبر , 2021 7:43ص

من أكثر الاكتشافات التاريخية إثارة للدهشة، العقدين الماضيين، أن البشر لم يكونوا ينامون دفعة واحدة كل 24 ساعة، بل إنه كان هناك “نوم أول” يستيقظ بعده الناس بين منتصف الليل والساعة الثانية، ليقوموا ببعض النشاطات قبل أن يعودوا إلى السرير من أجل “نوم ثانٍ” أقل إنعاشا ولكنه أكثر ملاءمة للأحلام، حتى شروق الشمس.

لإلقاء الضوء على هذا الاكتشاف، قالت مجلة لوبس (L’Obs) الفرنسية إن الأميركي روجر إكيرش، وهو مؤرخ بجامعة البوليتكنيك في فيرجينيا هو من قدم هذه الأطروحة وشرحها لأول مرة عام 2001 في مقال مدوٍ، لم تتم ترجمته إلى الفرنسية إلا مؤخرا، وذلك في كتاب جمع اثنين من مقالاته تحت عنوان “التحولات الكبيرة في النوم” (la Grande transformation du sommeil ).

وحسب هذه الأطروحة فإن الذي ينام -مثل معظم الناس- مرة واحدة لست أو 7 أو 8 ساعات كل 24 ساعة، هو شخص قد تم تشكيله بواسطة نظام اقتصادي وأيديولوجي ضار، أما “المقاومون” القلائل لهذا النظام، فهم المصابون بالأرق الذين لم ينس الجزء المسؤول عن العمليات الحيوية من دماغهم أن البشر نادرا ما كانوا، منذ آلاف السنين، ينامون “مرة واحدة” بل كانوا ينامون مرتين.

ويرى إكيرش أن نظام النومتين محي من الذاكرة الجماعية، ولم يبق سوى اضطرابات النوم من بقايا هذه العادة القديمة، فالبشر اليوم ينامون بشكل أفضل، بفضل الطعام الأفضل والتدفئة الأفضل والفراش الأفضل، ولكنهم فقدوا سحر علاقة مختلفة مع الليل والأحلام، إذ فقدوا هذه اللحظات من التأمل والإبداع.

ولدعم أطروحته، بحث إكيرش في الأدب والصحف والمجلات الطبية، ووجد أن كل هذه النصوص القديمة، سواء كانت مكتوبة بالإنجليزية أو الفرنسية أو الإيطالية أو اليونانية أو اللاتينية، مليئة بعبارات “النوم الأول” و”النوم الثاني”. وقد كتب المحامي الفرنسي بريلات سافارين حوالي عام 1825 ما يشير إلى النوم المكون من مرحلتين، قائلا “استيقظت حوالي الواحدة صباحا، وهو الوقت المعتاد لنومي الأول، وجدت نفسي في حالة استثنائية للغاية من الاستثارة الدماغية، كانت تصوراتي حية وأفكاري عميقة. بدا لي أن مجال ذكائي قد اتسع”.

قلة النوم قد تترتب عليها عواقب وخيمة تتمثل في ضعف المناعة وزيادة الوزن وارتفاع خطر الإصابة بالسكري والأزمات القلبية.

عشر نصائح مهمة للحصول على قسط وافر من النوم ليلا | Radiosawa

                                                                       بداية القرن العشرين اختفت بالفعل تعبيرات مثل “النوم الأول” و”النوم الثاني”

اختفاء النوم المتقطع

وأوضح تقرير المجلة -الذي حرره باسكال ريتشي- أن العديد من العوامل أدت إلى اختفاء هذا النوم المجزأ، ومنه الإضاءة الاصطناعية والعمل الصناعي، بما يفرضه من انضباط، وتوزيع المنبهات وتأمين الشوارع بالشرطة، وبالتالي، فإن النوم “الموحد” -كما يُمارس اليوم- ليس شيئًا طبيعيًا، بل هو بناء اجتماعي بسيط، وليس بالضرورة هو الذي يجلب لنا أفضل رفاهية.

وقد حفز اكتشاف إكيرش -كما في التقرير- المؤرخين والباحثين الأنجلو ساكسونيين بالعلوم الاجتماعية للبحث في عالم النوم، وإن تأخر عنهم الفرنسيون إلا ما كان من غيوم غارنييه المدرس بجامعة بواتييه الذي كرس أطروحته لتاريخ النوم في فرنسا ما قبل الفترة الصناعية.

وقد أكد غارنييه أن حدس إكيرش كان صحيحا فيما يتعلق بأن النوم بناء ثقافي واجتماعي، وأشار إلى وجود نوم مجزأ بالفعل ولكنه بين الفلاحين على وجه الخصوص، وأوضح أن الحكم بأن الأمر شامل لجميع السكان متسرع قليلا، موضحا أن النوم على فترتين لم يكن منتشرا في المدن على الأقل.

وقد تبادل المؤرخان رسائل بهذا الشأن دون التوصل إلى اتفاق، مع أن غارنييه يعترف بأن إكيرش قد أقنع معظم المؤرخين المهتمين بموضوع الليل، كما تقول المجلة، متسائلة هل يمكن للبحوث الطبية والأنثروبولوجية أن تحسم الجدل؟

وأشار التقرير إلى أن ما دفع إكيرش إلى إجراء بحثه، التاريخي، كان اطلاعه على دراسة علمية جرت أوائل التسعينيات، عندما وضع طبيب الصحة العقلية توماس فيهر مجموعة من المتطوعين في الظلام لمدة 14 ساعة في اليوم لمدة شهر، فلاحظ أنهم ينامون حوالي 8 ساعات في الليلة، ولكن على مرحلتين تفصل بينها ساعة أو ساعتان من اليقظة.

ويتفق عالم الأنثروبولوجيا برايان فاجان والصحفية المتخصصة بعلم الآثار ناديا دوراني في كتابهما “التاريخ الأفقي للبشرية” مع إكيرش في أن “شوارع مدينة مثل لندن بداية القرن الـ 17 كانت لا تزال تدوي حتى الثالثة صباحا بصرخات الباعة الجائلين، مما يعني أن هناك مشترين محتملين”.

بداية القرن العشرين..

اختفت بالفعل تعبيرات مثل “النوم الأول” و”النوم الثاني”، وخلافا لنصيحة الأطباء والأيديولوجية الإنتاجية في ذلك الوقت، تنصح صحيفة “رسالة بيتسبرغ” (Pittsburgh Courier) عام 1911 قراءها بالنوم “على عدة مراحل بدلا من النوم دفعة واحدة” وبعد ذلك اختفى هذا الموضوع من الذاكرة.

المصدر: لوبس ـ التأمل