بعض الدول العربية نموذجًا.. معاناة التعلم عن بعد بسبب الصعوبات التقنية

تُعد خدمة الإنترنت في اليمن الأدنى مرتبة من حيث نسبة الاشتراك بخدمة النطاق العريض (8%) بين بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ومن الأغلى عالميًا، حسب تقرير البنك الدولي، كما جاء في تقرير موقع "سمكس".
تحديات وصعوبات كثيرة تواجه الطلاب والمعلمين والأهل في الدول العربية في تطبيق نظام التعلم عن بعد
تحديات وصعوبات كثيرة تواجه الطلاب والمعلمين والأهل في الدول العربية في تطبيق نظام التعلم عن بعد

نشر في: الإثنين,11 يناير , 2021 8:24ص

آخر تحديث: الإثنين,11 يناير , 2021 8:44ص

تعد المشاكل التقنية والتكنولوجية في أغلب الدول العربية أهم عائق أمام إنجاح العملية التعليمية عن بعد، خاصة في الأرياف التي لا يتوفر فيها أغلب التلاميذ والأسر على الوسائل الرقمية، من لوحات إلكترونية وحواسيب وهواتف ذكية، وقد لا تطرح هذه المشكلة بقوة في المدن، إلا أنها حاضرة في الأرياف حيث شبكات الإنترنت ضعيفة أو منعدمة.

اليمن ومصر والأردن ولبنان والسودان وغيرها من الدول العربية استنجدت بالتعليم عن بعد لإنقاذ الموسم الدراسي، فهل أخفقت أم نجحت في مواجهة كورونا بالتعليم عن بعد؟ الإجابة تتعلق بإمكانات كل دولة على حدة، وحيث تواجه كل دولة فجوات، ومن أهمها جهوزية البنية التحتية التقنية.

لبنان.. التعليم عن بعد تحت رحمة الكهرباء والإنترنت

نستعرض أولا دولة لبنان، فهذا البلد غير مهيأ في بنيته التحتية لهذا النظام التعليمي الحديث، وما نعيشه اليوم مخاض بين عصرين، وهنا تظهر الحاجة لتطوير المؤسسات التربوية ومواكبة العصر الرقمي الجديد.

حالة من الرفض والتذمر تسود أوساط الأسرة التربوية في لبنان بين جائحة فتاكة ونظام تعليمي غير مهيّأ.

ولم تقتصر الشكوى على شبكة الإنترنت والانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي، بل تزايدت للحديث عن أضرار نفسية وصحية تفتك بأطراف العملية التعلمية. وبات التعطيل عن التعليم مصدر فرح وراحة من “كابوس الأونلاين”، حسب تقرير نشرته “إندبندنت عربية”.

التعليم في الشارع

لم يتخيل المواطن اللبناني يومًا أنه سيعود للتعليم في الشارع أو تحت الشجرة، ومؤخرا حفلت وسائل التواصل الاجتماعي بصورة لأستاذ يحمل حاسوبه ويجلس في الشارع، ليعلم طلابه عن بُعد. وتفاوتت ردود الفعل بين مادح لتفاني الأستاذ، وناقد للصورة التي لا تليق بأساتذة التعليم الثانوي.

ويروي المعلم سليم سعد حقيقة ما حصل معه، فعند 8 صباحا، كان لديه صف للتعليم عن بُعد، وكانت شبكة الإنترنت بطيئة جدا والتيار الكهربائي ينقطع بصورة مستمرة، مما دفعه للتوجه لأحد المحلات القريبة منه في مدينة صيدا، بعدما زوّده صاحب المحل بكلمة السر، ولأن صاحب المحل تأخّر في فتح متجره، اضطر الأستاذ إلى افتراش الأرض، وبدأ شرح الدرس.

ويؤكد أن حالته ليست استثناء، خاصة بعد أن أضحى القطاع التعليمي الحلقة الأضعف، لا سيما في ظل الانهيار الاقتصادي، وراتب الأستاذ الثانوي أصبح لا يتعدى 200 دولار أميركي ولا يكفي لتأمين معيشته. وجاء التعليم عن بُعد ليزيد العبء عليه، فهو لا يمكنه شراء الأجهزة الإلكترونية، ويحتاج لشبكة إنترنت قوية وهي عالية الكلفة. ويروي سعد أنه اضطر لدفع معاشه الشهري لإصلاح إحدى المعدات الإلكترونية، حسب ما نقلته إندبندنت.

كما تحدث عن معاناة إضافية للآباء، فعندما يكون هناك صف عن بعد لأحد الأبناء لا يمكن تقاسم الأجهزة الرقمية.

رغم احتلال لبنان المرتبة 60 من بين 100 بلد في الترتيب العالمي لجودة الإنترنت فإنه يعاني من الضعف

فجوة رقمية لبنانية

ورغم توفر الإنترنت في لبنان، واحتلاله المرتبة 60 من بين 100 بلد في الترتيب العالمي لجودة الإنترنت، فإنه يعاني من ضعف الجهوزية بالدرجة الأولى.

وبينت دراسة استقصائية أجرتها مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين في أبريل/نيسان 2020 شملت 10 آلاف عائلة محتاجة، ونشرها موقع “سمكس” (smex)؛ أن.

نصف هذه العائلات فقط يملك تلفازًا في المنزل، في وقت لا تملك فيه أي عائلة تقريبًا أجهزة لوحية أو حواسيب، بل تملك هاتفًا ذكيًّا واحدا فقط في المنزل.

تنفق هذه العائلات ما بين 25 و50 ألف ليرة لبنانية (الدولار يعادل نحو 1515 ليرة لبنانية) على خدمات الإنترنت لهواتفهم، حسب الدراسة نفسها، مما يعني أنه إذا استمر ارتفاع الأسعار بسبب التضخم/انخفاض قيمة العملة؛ فلن تبقى هذه العائلات قادرة على تغطية هذه التكاليف، حسب ما نقله الموقع نفسه.

الحرب في اليمن وسوء حالة البنية التحتية الرقمية وضعف الإنترنت كلها تعصف بالتعليم عن بعد

اليمن.. كورونا والحرب يضربان التعليم

ومن أبرز المشكلات التي يعيشها اليمن، خاصة أثناء الحرب التي لا تزال تعصف بالبلاد منذ أكثر من 5 سنوات، مشكلة التعلم عن بعد وكيفية التعامل معها، إذ إن سوء حالة البنية التحتية الرقمية وضعف خدمة الإنترنت وحتى انعدامها يؤثران في التعليم عبر منصات التعلم الرقمية وبرامج التعليم عن بعد.

وتعد خدمة الإنترنت في اليمن الأدنى مرتبة من حيث نسبة الاشتراك بخدمة النطاق العريض (8%) بين بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ومن الأغلى عالميًا، حسب تقرير البنك الدولي، كما جاء في تقرير موقع “سمكس”.

وتراجعت الجامعات اليمنية عن فكرة التعليم الإلكتروني بعد ما فشلت في ذلك بسبب سوء خدمات الإنترنت وعدم قدرة كثير من الطلاب على تحمّل تكلفته المرتفعة، حسب ما تشرح لـ”سمكس” الدكتورة سامية الأغبري، رئيسة قسم الصحافة في جامعة صنعاء كُبرى الجامعات الحكومية في اليمن.

كما أن خدمة الإنترنت لا تصل إلى مناطق كثيرة في اليمن وبخاصة القرى والمناطق المجاورة للمدن.

وحسب تقرير مصور للجزيرة نت، فإن جائحة كورونا والحرب أضرّتا بالعملية التعليمية في اليمن، لكن الجامعات والمؤسسات التعليمية في اليمن أعادت فتح أبوابها أمام الطلبة بعد إغلاق استمر أشهرا بسبب جائحة كورونا، في حين اضطرت الجامعات في اليمن في كثير من الأحيان إلى تأجيل التعليم بسبب ظروف الحرب بالبلاد.

في مصر تسود مخاوف من أن يساهم التعليم عن بعد في زيادة التفاوت الطبقي بين السكان

مصر.. التعلم عن بعد وتكريس التفاوت الطبقي بين السكان

وتسود في مصر مخاوف من أن يساهم التعليم عن بعد في تكريس التفاوت الطبقي بين السكان، فأبناء الطبقة الغنية يتوفرون على التجهيزات المطلوبة، وباستطاعتهم حتى الاستفادة من دروس خصوصية داخل منازلهم في أوقات الحجر الصحي (رغم محاولة بلدان عدة منع هذه الدروس أثناء هذه المرحلة)، وهو ما يحرم منه أبناء الطبقة الفقيرة الذين لا يجدون سوى المدارس العمومية للتعلم، وهناك إشكالية أخرى تتعلق بالأطفال الذين يعانون مشكلات في النظر أو السمع، إذ لم يتم بعد توفير حل تقني يتيح لهم الاستفادة من التعليم عن بعد، حسب تقرير نشره الموقع الإلكتروني “دويتشه فيله” (dw) الألماني.

وإن كانت مشكلة التجهيزات وولوج الإنترنت قائمة في المدن، فهي تزداد حدة في الأرياف، خاصة في ظل انعدام وجود شبكة اتصال قوية بالإنترنت.

الطالب والمعلم خارج العاصمة مراكش يعانيان غياب الأجهزة الذكية مما يعيق عملية التعلم عن بعد

المغرب.. الطلاب لا يمتلكون هواتف ذكية

وناقش تقرير الموقع الألماني نفسه حال التعليم عن بعد في المغرب. يقول إبراهيم مدرس اللغة الإنجليزية في إقليم زاكورة جنوبي المغرب “أدرّس 104 تلاميذ في المجموع، ووضعت برنامجًا للتواصل معهم عبر واتساب حيث أطلب منهم إنجاز التمارين وأوافيهم بالتصحيح لاحقًا، لكن 54 تلميذًا فقط استطاعوا التواصل معي. البقية لا يتوفرون على هواتف ذكية أو لديهم هواتف سيئة دون مساحة تخزين”.

وهذا يبين أن ضعف المستوى التعليمي لكثير من الأسر يعسّر التعليم المنزلي ومراقبة الأطفال خاصة مع ارتفاع نسب الأمية، كما يقول إبراهيم.

مظاهرات السودان اليوم في الذكرى الثانية للثورة، وكانت المدارس أغلقت هناك منذ ثورة ديسمبر/كانون الأول وحتى بداية عام 2020 ثم أغلقتها كورونا ثانية

السودان.. النزاعات تتحكم بامتيازات الإنترنت

مصير القرى ومناطق النزاعات مجهول حيث ينعدم الإنترنت والكهرباء، مما يؤدي إلى تفضيل منطقة على أخرى وحرمان البعض من هذه الامتيازات.

ويعاني السودان منذ سنوات مشكلتين أساسيتين، هما الانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي الذي قد يستمر أكثر من 10 ساعات يوميا، وانعدامه في بعض المناطق، وسوء الاتصال بشبكة الإنترنت وعدم توفرها في مناطق الأطراف، وحسب تقرير “إندبندنت عربية”، فإن هذا يحول دون تنفيذ نظام التعليم عن بُعد الذي تريد وزارة التربية والتعليم تطبيقه.

وتواجه الأسر السودانية بعامة والطلاب بخاصة مشكلات عدة..

فعقب ثورة ديسمبر/كانون الأول عُلّقت الدراسة مع نهاية عام 2018 وحتى بداية عام 2020، وبعد أن فتحت الجامعات أبوابها من جديد لم يتسنّ للطلاب التخرج أو الانتقال إلى عام دراسي جديد بسبب جائحة كورونا، وهذه الظروف المتتالية جعلت بعض الطلاب يخسرون سنتين بسبب الإقفال التام للجامعات وعدم وجود بديل كالتعليم عن بُعد مثلًا أو الدراسة والامتحان عبر الإنترنت.

وقال مهندس شبكات الاتصال هشام مالك، في تقرير نشرته “إندبندنت عربية”..

إن التعليم عن بُعد يمكن أن ينجح في حال إنشاء تطبيق يتواصل عبره الأستاذ مع الطالب عن طريق الصوت والصورة، وفي حال بُثّت الحصص مباشرة عبر فيسبوك، لكن شريطة أن توفر مؤسسات الاتصالات الرسمية شبكة إنترنت قوية وبسعر رمزي.

ولفت إلى أنه “في حال أرادت وزارة التربية والتعليم تنفيذ التعليم عن بُعد فإن عليها تسجيل فيديوهات تنشر في تطبيق مخصص يستطيع الطالب عن طريقه مراجعة الدروس متى أراد، ويمكن استبدال الكتب الورقية التي في الغالب تكون غير متوفرة بكتب إلكترونية في متناول الجميع”.

أما في حال نجحت الوزارة في تنفيذ القرار في الخرطوم والمدن الرئيسة، فمصير القرى ومناطق النزاعات مجهول حيث لا إنترنت ولا كهرباء، مما قد يؤدي إلى تفضيل منطقة على أخرى وحرمان البعض من هذه الامتيازات، وسيخلق ذلك رفضًا كبيرًا في صفوف المنظمات الحقوقية والناشطين الحقوقيين.

التعليم الإلكتروني بسبب كورونا في الأردن يعاني صعوبات تعود إلى أمور تقنية أو فنية

الأردن.. معاناة المناطق الأقل حظًا تتواصل

ومع تواصل ارتفاع حالات كورونا في الأردن، وتعليق الدراسة النظامية في المدارس، يعيش أهالي قرية دير القن شأنهم شأن كثير من قرى البادية الشمالية في الأردن التي تفتقد لتوفير إمكانات التعلم عن بعد من إنترنت وأجهزة محوسبة فضلا عن الانقطاع المتكرر للكهرباء الذي يمتد ساعات طويلة.

ويشير المتخصصون، في تقرير بثّه الموقع الإلكتروني الأردني “رؤيا الإخبارية”، إلى أن أهم متطلبات التعلم عن بعد توفر البنية الأساسية والعمل على مساواة ودعم المناطق الأقل تنمية مع بقية مناطق الأردن.

ولمواجهة التحديات التي فرضتها جائحة كورونا ومساعدة الأهالي على دعم أبنائهم للتغلب على تحديات التعليم عن بعد، أطلقت مدرسة شمالي الأردن مبادرة لتعليم أولياء الأمور التعامل مع الحاسوب والتقنيات التي يتعين على الطلبة معرفتها.

وتقول الخبيرة الأسرية والتربوية الدكتورة سعاد ملكاوي، في تقرير مطول نشرته صحيفة “الرأي” الأردنية..

إن تطبيق التعلم عن بعد في المنازل أثناء جائحة كورونا لا يزال يمثل صعوبة لدى كثير من الطلبة في الأردن، وهذه الصعوبات تعود إلى أمور تقنية أو فنية تتعلق بالتعلم عن بعد، أو بالجوانب الأخرى مثل عدم توفر الأجهزة الإلكترونية الكافية عند معظم الطلبة.

وترى أن الحاجة ماسة لتجاوز التحديات وتخطي الصعوبات التي تواجه الطلاب في تطبيق هذا النمط من التعلم، عن طريق تضافر جهود المؤسسات الحكومية مع القطاع الخاص لتدارك النواقص في البنى التحتية في مجال التعلم، إذ إن هذه المؤسسات لم تحسب حسابا سلفًا للظروف الطارئة ومنها جائحة كورونا.

شارك الآخرين:

Share on whatsapp
إرسال
Share on facebook
شارك
Share on twitter
غرّد